أسامة داود يكتب: قلاع السكر المصرية.. جرس إنذار قبل فوات الأوان
صرخة من قلب المصانع.. أنقذوا ثروة مصر قبل أن تضيع
حين
يتحول النجاح إلى كارثة.. الاكتفاء الذاتي يختنق داخل المخازن
16 قلعة صناعية و200 ألف عامل يترقبون المصير
من كفر الشيخ إلى أسوان.. الخطر يطرق أبواب صناعة عمرها تجاوز قرنين من الزمان
من يحمي عرق 1.4 مليون مزارع؟
كيف تحولت فرحة الإنتاج إلى كابوس يهدد الأمن الغذائي؟
إنقاذ قلاع السكر.. مهمة وطن قبل فوات الأوان
حكاية وطن مهدد بفقدان إحدى آخر قلاعه الصناعية
هل تستيقظ الحكومة قبل سقوط آخر القلاع الصناعية؟
لم يكن السكر يوماً مجرد حبات بيضاء تذوب في أكواب الشاي، ولم تكن مصانع السكر مجرد مبانٍ من الحديد والأسمنت، بل كانت عبر أكثر من قرنين جزءاً من ذاكرة الوطن، وعرق الفلاحين، وخبرة العمال، وأحد الحصون التي بنتها أجيال متعاقبة لتبقى مصر قادرة على إطعام أبنائها وحماية أمنها الغذائي.
وحين تتعرض القلاع الصناعية للخطر، لا يكون الصمت حكمة، بل يصبح نوعاً من المشاركة في خسارة قد لا تعوضها السنوات.
ولأن الأمم الكبيرة لا تفقد ثرواتها فجأة، وإنما تبدأ الخسارة دائماً بإشارات صغيرة يتجاهلها الجميع، ثم يستيقظون بعد فوات الأوان على أطلال ما كان يوماً مصدر فخر وقوة، فإن ما يحدث الآن داخل مصانع السكر المصرية يجب أن يوقظ الضمائر قبل أن يوقظ أجهزة الإنذار.
فمن بين رائحة القصب والبنجر التي صاحبت المصريين لعقود طويلة، ومن خلف جدران ستة عشر قلعة صناعية، يرتفع صوت مكتوم يطلب النجدة، بعدما تحولت فرحة تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى مشهد مؤلم، وأصبحت ثروة وطنية بمليارات الجنيهات تواجه مصيراً لا يليق بتاريخها ولا بقيمة الرجال الذين صنعوها.
هذه ليست معركة شركات تبحث عن أرباح.. وليست أزمة مخازن امتلأت عن آخرها.. وليست شكوى عمال يخشون على وظائفهم.
قضية وطن بأكمله
قضية أكثر من مليون وأربعمائة ألف مزارع ألقوا ببذورهم في الأرض أملاً في موسم خير.. وقضية مائتي ألف عامل وفني ومهندس يحملون في عقولهم خبرات تراكمت عبر عشرات السنين.. وقضية ستة عشر قلعة صناعية تمثل أحد خطوط الدفاع عن الأمن الغذائي المصري.
إنها قضية دولة دفعت المليارات حتى تصل إلى لحظة الاقتراب من الاكتفاء الذاتي، فإذا بها تجد نفسها أمام مشهد صادم، تلال من السكر تتكدس في الساحات والممرات والشوارع، بينما يطرق الخطر أبواب واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في مصر.
لقد خسرت مصر من قبل قلاعاً صناعية كانت مفخرة للأمة، وظن الجميع وقتها أن البديل موجود، وأن الخسارة يمكن تعويضها، حتى اكتشفنا بعد سنوات أن هدم المصانع أسهل كثيراً من بناء التاريخ، وأن ضياع الخبرات أسرع كثيراً من استعادتها.
ومن هنا، لا تكتب هذه السطور بحثاً عن بطولة صحفية، ولا سعياً وراء الإثارة، وإنما أداءً لواجب يفرضه الضمير تجاه صناعة تمثل جزءاً من الأمن القومي المصري.
إنها صرخة قبل فوات الأوان.. ونداء إلى كل مسؤول في هذا الوطن.. أن أنقذوا قلاع السكر المصرية.. قبل أن تتحول صفحات هذا التحقيق إلى شهادة وفاة جديدة تضاف إلى سجل الصناعات التي كانت يوماً عنواناً لريادة مصر، ثم أصبحت مجرد حكايات يرويها الكبار للأجيال القادمة بحسرة ووجع
قبل سقوط آخر القلاع الصناعية
خلال أقل من ثلاثين يوماً، تسدل المصانع الستار على موسم إنتاج تاريخي جديد، لكن الفرحة التي كان يفترض أن تعم العمال والمزارعين والمهندسين تحولت إلى قلق وخوف، بعدما امتلأت المخازن عن آخرها، واضطرت الشركات إلى إلقاء آلاف الأطنان من السكر في الساحات والممرات والشوارع الداخلية للمصانع، بعدما ضاقت المخازن الرسمية عن استيعاب المزيد.
لم يكن أحد يتخيل أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه أكوام السكر المصرية، التي خرجت من مصانع وطنية شيدتها الدولة المصرية على مدى عقود طويلة، مكدسة في الساحات والشوارع الداخلية وتحت لهيب الشمس الحارقة، وكأنها سلعة بلا قيمة، أو فائض مهمل لا يجد من يمد إليه يد الإنقاذ.
المشهد داخل مصانع السكر المصرية هذه الأيام لا يشبه مشهد صناعة نجحت في الاقتراب من تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل أقرب إلى مشهد استغاثة مكتومة، تخرج من خلف الجدران العالية لستة عشر قلعة صناعية تمثل إحدى ركائز الأمن الغذائي المصري.
إنه مشهد لا يليق بدولة تمتلك واحدة من أعرق صناعات السكر في الشرق الأوسط.. ستة عشر قلعة تقف على خط النار.
القضية لا تخص مصنعاً واحداً، ولا شركة بعينها، وإنما تطال منظومة كاملة تضم ستة عشر مصنعاً وشركة تمثل قلاع صناعة السكر في مصر.
في مقدمة هذه القلاع تقف شركة الدلتا للسكر بكفر الشيخ، التي تعد إحدى أكبر شركات إنتاج سكر البنجر في الشرق الأوسط، والتي شيدت في نهاية سبعينيات القرن الماضى وكانت أخر مشروع افتتحه الرئيس الأسبق محمد أنور السادات قبل أغتياله في أكتوبر 1981 عندما كانت خط انتاج واحد.. وإلى جوارها مصانع الدقهلية للسكر، والنوبارية للسكر، والفيوم للسكر، والشرقية لصناعة السكر، والقناة للسكر.
وتأتي شركات ومصانع شركة السكر والصناعات التكاملية المصرية، التي تمثل العمود الفقري التاريخي لصناعة السكر، لتضم مصانع أبوقرقاص بالمنيا، وجرجا بمحافظة سوهاج، ونجع حمادي بقنا، ودشنا، وقوص، وأرمنت بمحافظة الأقصر، وإدفو بمحافظة أسوان، فضلاً عن مصانع أخرى تمثل تاريخاً ممتداً لصناعة ارتبطت باسم مصر لعشرات السنين.
هذه القلاع ليست مجرد مبان أو خطوط إنتاج، وإنما مدارس فنية وصناعية خرجت أجيالاً من العمال والفنيين والمهندسين الذين راكموا خبرات نادرة أصبحت تمثل ثروة قومية حقيقية.
خلف كل حبة سكر.. جيش من المصريين
وراء كل كيلو سكر يصل إلى مائدة المصريين، يقف جيش كامل من البشر.. أكثر من 200 ألف عامل ترتبط حياتهم بهذه الصناعة، بينهم نحو 35 ألف عامل وفني يمتلكون خبرات متوارثة يصعب تعويضها، بالإضافة إلى أكثر من 150 ألف فرصة عمل غير مباشرة.
وراء تلك المصانع يقف أيضاً نحو 1.4 مليون مزارع يزرعون القصب والبنجر، وعشرات الآلاف من أصحاب الشاحنات ووسائل النقل، ومئات الشركات والصناعات المغذية، فضلاً عن الصناعات القائمة على مخلفات السكر، مثل المولاس والأعلاف والخمائر والكحول الطبي وغيرها.
لذلك فإن الحديث عن صناعة السكر ليس حديثاً عن سلعة استهلاكية، وإنما عن منظومة اقتصادية واجتماعية تمس حياة ملايين المصريين.
عندما يتحول النجاح الى أزمة
والمفارقة المؤلمة أن الأزمة انفجرت في الوقت الذي حققت فيه مصر أحد أفضل معدلاتها في إنتاج السكر.. فالإنتاج الإجمالي تجاوز 3.18 مليون طن، لترتفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى أكثر من 82.5%، وهو إنجاز كان يفترض أن يتحول إلى قصة نجاح تستحق الاحتفاء.
لكن ما حدث كان العكس.
فبدلاً من تكريم العمال والمزارعين، وجد الجميع أنفسهم أمام جبال من السكر لا تجد طريقها إلى الأسواق، ومخازن امتلأت بالكامل، وشركات أصبحت عاجزة عن استيعاب المزيد من الإنتاج.. وبدلاً من أن يحصل العامل على مكافأة الإنجاز، أصبح يقضي ساعات عمله في مراقبة أكوام السكر المكدسة في العراء، خشية وقوع كارثة لا قدر الله.
قنابل موقوتة تحت شمس يونيو
الخبراء يدركون أن استمرار تخزين السكر في الساحات المفتوحة ليس مجرد أزمة تخزين.. فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، تصبح تلك الكميات الهائلة من السكر معرضة للرطوبة والتكتل والتلف، فضلاً عن مخاطر الحرائق التي قد تأتي على مليارات الجنيهات من أصول الدولة.
إن ما يحدث حالياً يشبه وضع ثروة قومية كاملة في مواجهة الطبيعة، وتركها تحت رحمة الشمس والحرارة والعوامل الجوية.
وإذا كانت المصانع قد نجحت طوال عقود في حماية إنتاجها داخل مخازن مؤمنة، فإن المشهد الحالي يبدو استثنائياً بكل المقاييس.
من كفر الشيخ إلى أسوان
الخطر لا يقف عند حدود محافظة بعينها.. ففي كفر الشيخ، حيث شركة الدلتا للسكر، تتزايد المخاوف من تكدس الإنتاج.
وفي الدقهلية والفيوم والنوبارية والشرقية والقناة، تتكرر المشاهد ذاتها.. أما مصانع القصب التابعة لشركة السكر والصناعات التكاملية، الممتدة من أبوقرقاص وحتى إدفو، فقد أصبحت هي الأخرى تواجه ضغوطاً غير مسبوقة مع استمرار تراكم المخزون.
وهكذا تمتد الأزمة من شمال الدلتا إلى أقصى جنوب الصعيد، لتضع واحدة من أهم الصناعات المصرية أمام اختبار صعب.
هل يتكرر السيناريو القديم؟
التاريخ لا يرحم.. والصناعات الكبرى لا تسقط فجأة.. فالغزل والنسيج لم ينهار في يوم واحد.. وصناعة السيارات لم تختف بين ليلة وضحاها.. والمراجل البخارية، والثلاجات، والورق، وغيرها من الصناعات العريقة، بدأت أزماتها صغيرة، ثم تولاها أصحاب الضمائر الخربة للتزايد تلك الازمات لتتحول الى كوارث، ثم تحولت مع الوقت إلى واقع مؤلم.
كانت البداية دائماً بالتجاهل.. ثم تراكم المشكلات.. ثم نزيف الخسائر.. ثم خروج القلاع الصناعية من المشهد.. واليوم يقف كثيرون أمام سؤال يتردد.. هل تلحق صناعة السكر بقائمة الصناعات التي فقدتها مصر؟
وهل نسمح بضياع خبرات فنية تراكمت عبر عشرات السنين، لنجد أنفسنا بعد سنوات نعتمد بالكامل على الخارج في سلعة تمس الأمن الغذائي للمصريين؟
قضية أمن قومي
الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها أن السكر ليس سلعة ترفيهية.. فالسكر جزء من الأمن الغذائي، والأمن الغذائي جزء من الأمن القومي.
ولهذا فإن الدول الكبرى لا تتعامل مع صناعاتها الاستراتيجية بمنطق الربح والخسارة الضيق، وإنما بمنطق الحفاظ على القدرة الوطنية والإبقاء على الخبرات والإنتاج.. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف وصلت مصانع نجحت في زيادة الإنتاج وتحقيق نسب غير مسبوقة من الاكتفاء الذاتي، إلى مرحلة إلقاء إنتاجها في الساحات والشوارع؟
ومن المستفيد من بقاء المخازن ممتلئة؟.. ولماذا تحولت قصة نجاح مصرية إلى أزمة تهدد إحدى أهم الصناعات الوطنية؟
ويبقى السؤال الأخطر: هل تتحرك الدولة لإنقاذ صناعة بنتها أجيال من المصريين، أم ننتظر حتى يتحول الندم إلى تاريخ جديد يضاف إلى قائمة القلاع الصناعية التي فقدتها مصر؟
عشرات الأسئلة والمعلومات الخطيرة سوف نكشف عنها وبالأرقام والوقائع في الحلقات القادمة إن شاء الله .. من يقتل صناعة السكر المصرية؟ وكيف تحولت الأسواق إلى ساحة مفتوحة أمام الإغراق، بينما تقف القلاع الوطنية محاصرة بمخزونها؟ ومن المستفيد من قتل صناعة السكر وتحويل مصر من منتج ومصدر إلى مستهلك يعتمد على الاستيراد وإرهاق خزانة الدولة .. بتفكيك بنيتها الصناعية وتحويلها من منتج ومصدر إلى مجرد مستهلك يعتمد فقط على الاستيراد.
